الجاحظ

84

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )

وأوّل العلم بكلّ غائب الظّنون ، والظّنون إنّما تقع في القلوب بالدّلائل ، فكلّما زاد الدليل قوي الظنّ حتّى ينتهي إلى غاية تزول معها الشكوك عن القلوب ؛ وذلك لكثرة الدلائل ، [ ولترادفها ] . فهذا غاية علم العبادة بالأمور الغائبة . فمن عرف ما طبع عليه الخلق وجرت به عاداتهم ، وعرف أسباب اتّصالهم واتّصاله بهم ، وتقصّى علل ذلك ، كان خليقا - إن لم يحط بعلم ما في قلوبهم - أن يقع من الإحاطة قريبا . واعلم أن المقادير ربّما جرت بخلاف ما تقدّر الحكماء ، فنال [ بها ] الجاهل في نفسه ، المختلط في تدبيره ، ما لا ينال الحازم الأريب الحذر . فلا يدعونّك ما ترى من ذلك إلى التّضييع والاتّكال على مثل تلك الحال ؛ فإنّ الحكماء قد أجمعت أنّ من أخذ بالحزم وقدّم الحذر ، فجاءت المقادير بخلاف ما قدّر ، كان عندهم أحمد رأيا وأوجب عذرا ، ممّن عمل بالتفريط وإن اتّفقت له الأمور على ما أراد . [ 14 - الصداقة ] ولعمري ما يكاد ذلك يجيء إلّا في أقلّ الأمور ، [ وما كثر مجيء السّلامات إلّا لمن أتى الأمور ] من وجوهها وإنما الأشياء بعوامّها . فلا تكونن لشيء ممّا في يدك أشدّ ضنّا ، ولا عليه أشدّ حدبا ، منك بالأخ الذي قد بلوته في السّرّاء والضّرّاء ، [ فعرفت مذاهبه ] وخبرت شيمه ، وصحّ لك غيبه ، وسلمت لك ناحيته ؛ فإنما هو شقيق روحك وباب الرّوح إلى حياتك ، ومستمدّ رأيك وتوأم عقلك . ولست منتفعا بعيش مع الوحدة . ولا بدّ من المؤانسة ، وكثرة الاستبدال تهجم بصاحبه على المكروه . فإذا صفا لك أخ فكن به أشد ضنّا منك بنفائس أموالك ، ثمّ لا يزهّدنّك فيه أن ترى منه خلقا أو خلقين تكرههما ؛ فإنّ نفسك التي هي أخصّ النفوس بك لا تعطيك المقادة في كلّ ما تريد ، فكيف